حين تصبح المدرسة هي

الحل لا المشكل

 

اليوم استوقفتني حكمة أفريقية تقول: 

“لا يمكنك معاقبة السمكة بإلقائها في الماء” 

ورغم بساطة العبارة، إلا أنها تختصر أحد أكبر الأخطاء التي تقع فيها أنظمة التعليم حول العالم،

ففي كثير من الأحيان نتعامل مع المدارس وكأنها متشابهة، ونفترض أن ما نجح في مدرسة سينجح في جميع المدارس، وأن ما حقق نتائج في دولة أو منطقة يمكن نقله كما هو إلى سياقات أخرى،

لكن عقودًا من أبحاث التغيير المدرسي أثبتت العكس،

فـ Michael Fullan، أحد أبرز الباحثين في الإصلاح التعليمي، يؤكد أن التغيير الحقيقي لا يحدث من خلال فرض المبادرات من الأعلى إلى الأسفل، بل من خلال بناء القدرة المهنية داخل المدرسة نفسها، كما أن Andy Hargreaves يشير إلى أن التحسين المستدام لا يتحقق عبر استنساخ الممارسات الناجحة، وإنما عبر فهم الثقافة المهنية والسياق المحلي الذي تعمل فيه المدرسة والانطلاق منها،

ولهذا السبب لم أجد في رحلتي المهنية فكرة أكثر إقناعًا من فلسفة “التطوير المستند إلى المدرسة” التي تعمقت فيها خلال دراستي في الجامعة الأمريكية في بيروت من خلال مشروع TAMAM، إحدى أهم الحركات التربوية العربية التي دعت إلى بناء مدارس متجددة ذاتيًا وقادرة على قيادة تحسينها من الداخل.

 

لقد تعلمنا في TAMAM أن المدرسة ليست مشكلة تحتاج إلى حل، بل مجتمع مهني يمتلك المعرفة والخبرة والقدرة على إنتاج الحلول المناسبة له متى ما أُتيحت له الثقة والمساحة والتمكين،

ومن هنا فإن السؤال الحقيقي في أي مشروع تطوير ليس:

 

ما هي التدريبات والبرامج التي سيتم التدريب عليها خلال هذه السنة؟

 

بل:

 

ماهي السياقات، كيف أُمكن، ماهي الفرص الموجودة، كيف نعمل معا لوضع البرامج المناسبة منهم ومن خلالهم ولهم؟

 

لهذا أزداد يقينًا يومًا بعد يوم أن التغيير المستدام لا يُبنى على الحلول المعلبة، ولا على مبدأ One Size Fits All، بل على فهم الثقافة، وقراءة السياق، وتمكين التربويين من قيادة التغيير بأنفسهم، وبناء قاعدة تربوية ثقافية مشتركة تكون أرضية صلبة يمكن للممارس التربوي من خلالها الانطلاق للتغير والتطوير، ومواكبة هذه التطورات السريعة من حوله بثقة في امكانياته ومهاراته عبر منهجية واضحة وفكر تربوي منظم وواعي.

 

حين ننطلق من هذه الحقيقة، يصبح التطوير أكثر عمقًا، وأكثر استدامة، وأكثر إنسانية بعيدا عن الاعتماد الكلي على فقاعات التدريب الموحد والتقليدي التي قد يبهرنا شكلها، ولكن سرعان ما (تنفقع) ويذهب كل شي هباء منثورا.

 

 

 

-غادة آل الشيخ-

 

مستشار تربوي

  خبير في الطفولة المبكرة

والتطوير المدرسي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة