حين يصنع الطفل أمانه بطريقته الخاص

 


أتذكر أن ابنتي( نورة)، وهي صغيرة كانت تُصرّ عند النوم على الإمساك بشعري وتقريبه من أنفها وفمها ولفه على أصابعها بطريقة خاصة! كان سلوكًا يبدو غريبًا بالنسبة لي، وعلى من حولي ،ولم  أكن أفهم وقتها لماذا تحتاج وتصر على  تكراره تحديدًا قبل أن تنام؟


اليوم، عندما أقرأ أكثر عن التنظيم العاطفي والحسي في الطفولة المبكرة، أراه بصورة مختلفة؛ ربما لم يكن الشعر هو المهم بحد ذاته، بل ما يحمله لها من رائحة مألوفة، وإحساس حسي اعتادته، وقرب يرتبط بالأمان❤️


وهذا يفسر أيضًا لماذا يُصر بعض الأطفال عند النوم على اصطحاب أشياء تبدو لنا عشوائية تمامًا: ملعقة، قطعة من لعبة، كوب صغير، سيارة قديمة، أو حتى جورب!


فالانتقال إلى النوم ليس لحظة بسيطة في عالم الطفل؛ إنه انتقال من اللعب والضوء والحركة ووجود الوالدين إلى الهدوء والانفصال ،لذا يبحث بعض الأطفال عن شيء مألوف يساعدهم على تهدئة أنفسهم والشعور بأن جزءًا من عالمهم ما زال معهم.


وقد وصف دونالد وينيكوت جانبًا من هذه الظاهرة بمفهوم «الأشياء الانتقالية»

وهي أشياء مألوفة قد تساعد الطفل على التعامل مع لحظات الانفصال والانتقال،

وليس بالضرورة أن تكون بطانية أو دبدوبًا؛ فقد يمنح الطفل شيئًا عاديًا جدًا معنى خاصًا لا نراه نحن.


وهناك جانب آخر لا يقل أهمية: الاختيار يمنح الطفل إحساسًا بالاستقلالية والسيطرة،ففي وقت النوم نحن من نقرر: انتهى اللعب، حان وقت النوم، فرش أسنانك ،ابقَ في سريرك ،وربما يصبح اختيار ذلك الشيء الصغير طريقته البسيطة ليقول:

"على الأقل، هذا أختاره أنا"


لذلك، عندما يتعلق طفل بشيء أو بطقس بسيط قبل النوم، قد يكون من المفيد ألا نسارع إلى وصفه بأنه غريب أو بلا معنى، والأهم لا نسخر او نمنع بل نسأل: ما الحاجة التي يحققها له هذا السلوك؟


وما دام آمنًا ولا يؤذيه، فقد لا يحتاج منا إلى إيقافه بقدر ما يحتاج إلى أن نفهمه ونقبله!


فالأطفال لا يملكون دائمًا الكلمات ليقولوا: «هذا يطمئنني»، لكنهم يجدون طرقهم الخاصة جدًا ليعبّروا عنها،

وهنا يأتي دورنا التربوي: ألا نكتفي برؤية السلوك… بل نحاول فهم الحاجة التي تقف خلفه.


غادة آل الشيخ 

مستشار في الطفولة المبكرة 

وخبير تطوير تربوي 

تعليقات

  1. موضوع هام وغير متداول. هل بالإمكان التبحر في الموضوع أكثر في مقالات قادمة؟

    ردحذف
    الردود
    1. أكيد ،شكرا لإهتمامك

      حذف
  2. مقال جدا جميل و مفيد🤍👍🏻

    ردحذف
  3. مقال جميل استاذة غاده ومهم لفهم مشاعر الطفل

    ردحذف
    الردود
    1. فعلا مهم ، والجميل إهتمامك ،شكرا لك

      حذف
  4. الاحساس بالامان لدى الاطفال يبدء من بداية حياتهم فالامان هو المصدر الرئيسي لنمو الطفل بشكل صحيح و يخلق لديهم قاعدة لمنو طبيعي حتى الكبر وعند افتقاد الامان ينتقل سلوك الفقد مع الطفل الى مراحله العمرية ويؤثر على سلوكه في مراحل العمر بعد ذلك وتكوين شخصية مقال رائع الصديقة الغالية غادة فالطفولة مرحلة مهمة في حياة كل انسان لذا التركيز على جوانب عدة منها يخلق شخص سوي وانسان ناجح مستقبلاً

    ردحذف
  5. عبير آل الشيخ24 أغسطس 2026 في 5:32 م

    مقال جميل 🤍 يذكرنا بأن خلف بعض تصرفات أطفالنا البسيطة احتياجات ومشاعر
    شكرًا على هذا الطرح الواعي والإنساني

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة